الشيخ محمد الصادقي
13
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
كليله وعليله ، ولا يحسب له قوة قاهرة على الحق وأهله . ثم إذا لم تفد جداله بالحسنى ، وبدل الاهتداء أو السكوت يعتدي على أهل الحق ، فهو داخل في الذين ظُلموا : « وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا » . ظلماً شخصياً على المجادل بالحسنى ، أم ظلماً جماعياً على المسلمين ، فهنالك دور الضربة القاسية القاضية ، نفياً لمادة الفساد قدر الضرورة ولحد القتال إذا انحصر بها العلاج وانحسر المضلل عن الإضلال واللجاج . « وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ 126 وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ » « 1 » فمعاقبة المجادل الظالم ، التي لم تنفعه بالحسنى ، فضلًا عن الحكمة والموعظة الحسنة ، إنها - كضابطة مطردة - معاقَته بالمثل ، فهي مسموحة ككل ، إلا إذا كان في تركها خسار وبوار متواصل لا يصده إلا معاقبة فواجب ، أم غير مسموحة لو أن معاقبته تزيد في طيشه بضره وشره ، والصبر أمامه له منعة - ولا أقل - من تطاوله ، أم راجحة وهي في غير الواجب والمحرم « وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ والصبر على أية حال أم في الأكثرية المطلقة هو مفتاح الفرج فراجح « لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ » . فهذه طرق اربع يتطرقها الداعية في سبيل الدعوة وصد الضلالة ، قد تجتمع في بعض المدعوين ، وقد لا تجتمع ، فمن الناس من تكفيه الحكمة ، أو الموعظة الحسنة ، أو الجدال بالتي هي أحسن ، أو المعاقبة ، أو الأربع كلها ، أو اثنتان منها ، أم ثلاث ، وذلك حسب مقتضيات الظروف والمتطلبات في سياسة الدعوة لكل داعية ، فالأقسام تصبح أربعة عشر قسماً ، فإنها أربع وحدات وجمع الأربع ، وأربع ثلاثيات وخمسة اثنينات .
--> ( 1 ) سورة النحل 16 : 1276